الرئيسية » مقالات » دراسة أسلوبية جماليات قصيدة (شمس الأصيل) للشاعرة رنا رضوان / بقلم : الأستاذ الدكتور عامر شارف – الجزائر

دراسة أسلوبية جماليات قصيدة (شمس الأصيل) للشاعرة رنا رضوان / بقلم : الأستاذ الدكتور عامر شارف – الجزائر

 

أولا : القصيدة : شمس الأصيل 

إلى شمسِ الأصيلِ شَكوتُ مابي
من الأشْواقِ في مُرِّ الغيابِ

وأشباحُ الظنونِ تَدورُ حولي
تُطالعُني كأحْـداقِ الذئـابِ

كأنَّ شُعاعها مُذْ غِبْتَ يُلقي
ظِلالَ الخَوفِ في الأرضِ الخَرابِ

فأشعُرُ بالضَياعِ وعينُ قلبي
تُفَتّشُ بينَ هاتيكَ الرَوابي

كأني دَوحةٌ يَبِسَتْ سنيناً
يُبدّدُ وحْشَتي صوتُ الغُرابِ

أُحاولُ أنْ أُعيدَ إليَّ نفسي
وشوقُ القلبِ يُفقدني صَوابي

أتبقى هكـــذا حُلماً بَعيداً
يَلوحُ إليَّ من خلفِ الضبابِ ؟؟

بصومعَةِ الغَرامِ حُبسْتُ قسْراً
وسَدَّ البُــعْدُ نافذتي وبابي

أنا روحٌ على صحْراءِ حُبٍّ
أُطاردُ في الهَوى لمْعَ السرابِ

ولو أطْلقتُ دَمعاً باتَ يغلي
من الأشواقِ لاحتَرَقَتْ ثيابي

فقُلْ لي لا أحبّكِ علَّ فيها
حياةً لي ويَعْتقُني عَذابي

فإنّكَ لنْ تكونَ إليَّ يوماً
وذا قلبي ينوحُ على مَصابي

وداعاً يا أعزّ الناسِ عندي
فخُذْ روحي وخُذْ مَعها كتابي

  • شعر : رنا رضوان – سوريا 

—————————

 

ثانيا : دراسة أسلوبية جماليات قصيدة (شمس الأصيل ) للشاعرة رنا رضوان / بقلم : الأستاذ الدكتور عامر شارف – الجزائر 


يبدو لي أن العنوان يأخذ قراءتين الأولى شمسَ الأصيل بالنصب مناداة بياء المنادى المحذوفة؛ لأنَّ شمسَ الأصيل قريبة من الشاعر، والثانية شمسُ بالرفع ، نحويًّا مبتدأ مرفوع وهو مضاف والأصيل مضاف إليه ، والخبر محذوف له تأويلات كثيرة منها شمسُ الأصيل لم تغب، قد تغيب، باكية، تودّعنا ….وغيرها من الأخبار .بالإضافة إلى تنكير شمس دلالة على تعظيمها، وتعريفها بإضافة الأصيل لتحصيل دلالة زمنيّة، أو وصفية إن كانت كناية عن حبيبته ، وما هذه القراءة إلا واحدة وفقط، وهناك قراءات أخرى مؤجَّلة إلى قارئ آخر في زمن سيأتي .
ــــــ المستوى الصّوتي :
البحر الوافر ، الذي وفّر متّسعًا إيقاعيًّا للبوح، وتوفرت على مقاطع طويلة ، وأخرى قصيرة متمثلة في التفعيلة ( مفاعيلن)، أما حرف الرويّ باء بعد مدٍّ ، وجاء مكسورًا؛ يعبّر عن خاطر الشاعر المكسور ، وحالته المتذمّرة من خلال الشكوى، الذئاب، الخوف، الخراب ، وهذه الألفاظ تحمل دلالات ما ذهبت إليه، وقافية مردوفة تنسج غنائية متميّزة .
ــــــ المستوى الصرفي :
نحاول كشف الأسماء وأنواعها، والأفعال وأنواعها، وكيفية تشكيلها على مستويات النصّ ،…
ـــــ الأسماء :: على شكل جمع التكسير مثل : الأشواق، الأشباح، الأحداق ،
ـــــ الأفعال : وهي نوعان ماضية ومضارعة .
الأفعال الماضية : شكوتُ / غبتُ / سدَّ / احترقت …….، تدل على حدوث الفعل، وانتهائه، وقد تحقّقت في زمن مضى.، تخبر عن حقائق لها زمانها ومكانها….
الأفعال المضارعة : وهي تدل على الحركة، والحيوية، والاستمرار، والتّجدّد ، وعلامة دالة على الحياة، ففعل :
/ تطالعني : كأن أشباح الظنون لا تتوقف يوميًّا، ولا تهدأ ، ولا تنساه .
/ أشعرُ : هو إحساس دائم، في ذات الشاعر لا يتوقّف
/ تفتّشُ : وهو استمرار التفتيش عن أمكنة تليق باللقاء أو بالجلوس مع حبيبته ….
/ يبدّد : وهنا فعل ما يشعر به الشاعر كأنه شجرة عطشى تموت دقيقة تلو الأخرى بالتقسيط.
/ أحاول: كي يعيد شظايا الذات، والنفس والفكر إلى بعضها ، وهذه المحاولات لا تنتهي ما التشظّي داخل في كينونة الشاعر لا يتوقف، فالمحاولات أيضًا لا ولن تتوقّف .
/ يلوح : يقصد حلمه الذي لا ينتهي، ويبقى يلوّح ما القلب ينبض بالحب، وما دام الإحساس متربِّعًا على عرش الشاعر .
/ أطارد : لا تنتهي مطاردة السراب ما دام الشاعر يخطو نحو التيهان
/ يعتقني : وهو ما يتمنّاه الشاعر هذا العتق الذي يدوم طوال حياته، إلى عهد آخر من العمر .
أفعال الأمر :
فقُلْ لي لا أحبّكِ علَّ فيها حياةً لي ويَعْتقُني عَذابي
وداعاً يا أعزّ الناسِ عندي فخُذْ روحي وخُذْ مَعها كتابي
وهنا تبرز أفعال الأمر ، ومن خلالها نلاحظ الآمر والمأمور ، وتدلنا على أن هناك قوّة ،وهناك طرف آخر ضعيف، وهذا الأسلوب يقدّمه الشاعر ليعرِّف شخصيّتين في نصّه؛ كي يؤثِّر في المتلقّي.
ـــــــ مستوى البنى التركيبة :
أ ــــــ الجمل الخبرية :
فأشعُرُ بالضَياعِ وعينُ قلبي تُفَتّشُ بينَ هاتيكَ الرَوابي
أُحاولُ أنْ أُعيدَ إليَّ نفسي وشوقُ القلبِ يُفقدني صَوابي
تقدم الجمل الخبرية الكشف ، والوضوح ، وتبيان القصد للمتلقي، إلى تشكيل الدهشة في نفس المتلقي.
ب ـــــ الجمل الإنشائية :
أتبقى هكـــذا حُلماً بَعيداً يَلوحُ إليَّ من خلفِ الضبابِ ؟؟
والجمل الإنشائية جاءت على صورة استفهامية ( أتبقى ؟)، ودلالتها القلق والحيرة ، وعدم طمانينة الشاعر إزاء هذا الحلم الذي لم يتحقق.
على المستوى الجمالي : وجدت مجموعة من الانزياحات بلاغية ، تركيبية ، وعَروضية كما يلي :
أ ــــ الانزياح البلاغي : 
حيث وجدنا مجموعة من الاستعارات ، وبخاصة المكنية التي تعددت في موضوع القصيدة، واختارها الشاعر لأنه يرى أنها تفيد في بناء قصيدته، ومثل ذلك ؛
عيني تفتّشُ / شوق القلب يفقدني/ حلم يلوّحُ/ سدَّ ابُعدُ نافذتي وبابي / يعتقني عذابي…. وكلها استعارات مكنية تؤدّي وظيفتا الدلالية في النص الشّعري .
ب ــــ الانزياح التركيبي: 
إلى شمسِ الأصيلِ شَكوتُ مابي من الأشْواقِ في مُرِّ الغيابِ
وفي الأصل ( شكوت إلى شمسِ الأصيلِ) لأن الجملة العربية أصلها تبدأ بالفعل، وقدّم الشاعر الجار والـمجرور لأهميّة الشمس التي يشكو إليها .
وأشباحُ الظنونِ تَدورُ حولي تُطالعُني كأحْـداقِ الذئـابِ
وفي الأصل ( تدور أشباحُ الظنون حولي )، ولكن قدّم أشباح لأهمية دلالتها من حيث تأثيرها في المتلقي
شوق القلب يفقدني ، والأصل ( يفقدني شوق القلب )،وقدّم الشاعر كلمة شوق لأهميتها الدلالية .
ج ــــــــ الانزياح العَروضي :
وقد برزت في علة القطف ..التي جاءت بعد اجتماع العصب ( //0/0/0)، والحذف ( //0/0 ) في الضرب والعروض ،والتي التزم بها الشاعر في كل بيت ، إذ نقول هكذا جاء شعر العرب إلا القليل، كما جاءت بعض التفعيلات معصوبةً ( //0/0/:0 )، (مفاعيلن) بدل ( مفاعلتن )، وما هذه التنويعات الإيقاعية إلا ضرب من النسيج الموسيقي الذي يضيف شيئًا إلى بهائية النًّص .

  • بقلم الأستاذ الدكتور عامر شارف – جامعة بسكرة / الجزائر .

شاهد أيضاً

كن قارئا قبل أن تكون كاتبا/ كتب : حسين الباز – مجلة أقلام عربية

كن قارئا قبل أن تكون كاتبا ما الغاية من الكتابة؟ إذا كنت تسرد دون شعور، …